Because the original gucci replica intention is to create a handbags replica, when choosing replica handbags fabric, replica watches uk chooses to avoid the delicate and rolex replica .
windowssupport.org The Activation Keys and Download Links will be sent directly to the email address associated with your purchase after payment is confirmed. Deliveries are generally completed in 5 - 60 minutes, but may take longer depending on the time of purchase. Office Professional Plus 2016 Key online windows 10 key online office-professional-plus-2013 key parajumpers sale canada goose sale العودة إلي عالم العقل ! بقلم: نبيل عودة، الناصرة
מאמרים
היסטוריה, זיכרונות
תרבות
Français English عربى  Etc.

6/1/2010-11/3/2010
بمناسبة 8 مارس-آذار اليوم العالمي للمرأة / معوقات حقوق المرأة وتحررها, بقلم بدر الدين شنن
فتوى للعالم الشيخ محمد طاهر القادري تعتبر الإرهابيين أعداء الإسلام
سوريا: اعتقال طل بنت دوسر الملوحي بسبب مقال كتبته على الإنترنت
العودة إلي عالم العقل ! بقلم: نبيل عودة، الناصرة
السودان: وما زال التعذيب والاغتيال السياسي مستمرا / تاج السر عثمان
حملة تضامن مع معتقلي الرأي والضمير في سورية لإنقاذ حياتهم وإطلاق سراحهم فورا
في ذكرى المفكر التقدمي حسين مروة (1910-1987) / د. حبيب بولس: مؤسس مدرسة النقد الواقعي الاشتراكي في العالم العربي
تضامن مع الدكتورة ابتهال الخطيب ضد الحملة الظلامية عليها
The Arab Holy of Holies, by Salman Masalha
يهود إسرائيل وأكراد العراق.. زيارات متبادلة وجمعيات ووفود فنية / صلاح بدر الدين
العراق: ذكريات شاهد عيان عن انقلاب 8 شباط 1963 الأسود / د. عدنان رجيب
ابن رشد وابن ميمون: مثالان أندلسيان لصيرورة العقلنة والعلاقة بين الدين والفلسفة
مرزوق الحلبي: انتفاضة واحدة تكفي
حملة تضامن مع أهالى ضحايا مجزرة سجن أبو سليم - ليبيا
صقوط حيفا / من يوميات يرهوم اليلشفي / د. خالد تركي
نوئيل عيسى: السعودية (العرب والمسلمون تحديدا) وحقوق المرأة
حملة تضامنية مع المعارضة الإرانية
"مختارات شعرية شاملة" لبرتولد برشت (1898-1956) .. المباني التي سكنت فيها تهدمت / عارف حمزة
ساسون سوميخ: بغداد: منظر طبيعي / ترجمة: نائل الطوخي
نادية عيلبوني: القرضاوي ينبغي محاكمته
نبيل عودة: سليمان جبران في كتابه الجديد: على هامش التجديد والتقييد في اللغة العربية المعاصرة
لذكرى رجاء أبو عماشة (1939-1955) / كلمات الشاعر أبو سلمى
حملة من أجل إدانة الإحتقان الطائفي والديني في مصر والتضامن مع الأقليات الدينية
سمية عريشة: نعم لبناء الجدار المصري
صبحي فؤاد: هل الأنفاق المظلمة كل ما عند حماس لأبناء غزة ؟
نادية عيلبونى: هل تحولت صدور نسائنا إلى ساحات للجهاد ؟
نانا أمين: أسفري فالحجاب يا ابنة قهر!!
ياسين رفاعية: أنا بالصوت الملآن ضد الحجاب

العودة إلى عالم العقل !

 

بقلم: نبيل عودة *

 

ما هو التفكير السليم ؟

طرح محاضر الفلسفة هذا السؤال ، وهو يضع حقيبته اليدوية على المنضدة ، وحتى قبل ان يجيل نظره بوجوه الطلاب في قاعة المحاضرات . وأردف :

ما هي العقلانية ؟

طرح السؤال الثاني ونظراته تجول على الأرض أمامه . تقدم خطوتين نحو الجهة اليمنى ، بمظهر يبدو كأن فكره مشغول بقضية أكثر تعقيدا مما كشفه بسؤاليه ، وهمس أحد الطلاب متسائلا : "هل ينظر الى مقدمة حذائه ؟" !!
السؤالان اللذان طرحهما المحاضر أعادا الطلاب بسرعة الى أجواء درس الفلسفة ، فحل الصمت والهدوء ،وانتظم الجلوس ، واستعد كل طالب بقلمه ودفتر ملاحظاته ، والبعض شغلوا المسجلات ـ ليبقى ذهنهم متيقظا للمحاضر .. وقال طالب اسمه فؤاد بصوت خافت : " ما باله يتصرف بغرابة .. حتى بدون تحية صباح الخير اليوم ؟".
استدار المحاضر الى الجهة المعاكسة ، وخطى بضع خطوات وهو في نفس وضع النظر الى مقدمة حذائه، وعندما حاذى اللوح الأبيض في وسط الحائط وراءه ،استقام دائرا نحو اللوح ، وكتب بقلم التوش الأسود بخط كبير ،

وبمنتصف اللوح : " RATIONALISM " .

بعدها التفت الى الطلاب في القاعة ، نظر بوجوههم ، وابتسم ابتسامة كبيرة ، وقال:

صباح الخير .. اطمئن يا فؤاد لم انس تحية الصباح ، وأيضا لم اكن أنظر لبوز حذائي ، لا شيء فيه يستحق النظر ،

أشغلتني فكرة تتعلق بدرس اليوم .. أعتذر .. وآمل انكم قضيتم نهاية اسبوع جميلة . اليوم نعود الى عالم العقل . آمل انكم لم تتركوه في اجازة ؟!

انطلقت ضحكات من مقاعد الطلاب ، وواصل المحاضر ، بعد ان جلس وراء طاولته ، وعينيه كعيني الصقر تتفرسان بوجوه طلابه:

أصل الكلمة المسجلة على اللوح راتيو " RATIO " وتعني عقل أو بصيرة والبعض يفسرها قيمة ، وهذا الاصطلاح "راتسيوناليزم" – يعني المذهب العقلي – للفرد يقال راتسيونالي – أي عقلاني ، منطقي ، اي الانسان الذي يبني مواقفه على التفكير السليم ، يجب ان يتحول لديكم بالأساس ، الى قيمة قياسية للتفكير العقلاني.. وهو يعني ان الوعي والعقل هما مصدر المعرفة الأساسي ، وليس التجربة والعمل والأحاسيس. بالطبع الوعي والعقل لا يتشكلان من الأفكار الزائفة التي ما تزال تقيد انطلاقتكم . اي بكلمات أخرى يجب ان تصلوا الى الإقرار بسلطة العقل ، أي العقلانية ، او المنطق العقلي ، والقصد منه الموقف المبني على التفكير السليم . مثلا لو سألتكم ما الذي يجعلكم تتأكدون انكم ابناء للجنس الانساني ؟ سؤال بديهي كما يبدو .. هل تظنون ان الشكل مقرر ؟ وانكم على ما نشأ عليه آباؤكم ؟ وهل الانسان حالة مستقرة لا تتغير منذ جدنا آدم ؟ وهل عقل طالب في الجامعة مثل عقل قبلي يعيش معزولا عن كل ما هو تطور علمي ومدني في العالم والمجتمع ؟ ليس كل ادعاء صحيح بمقياس الشكل فقط . هناك مسائل جزئية تجميعها يقودنا الى مسائل أكثر شمولا . هل انسان اليوم هو نفسه انسان عصر الكهوف ؟ هل المقياس هو شكلي فقط ؟ الفلسفة اليونانية القديمة عرفت الانسان بأنه مواطن المدينة – الدولة ، حسب أرسطو ، واقيم الحد بينه وبين الأشياء الخارجية ، الأمر الذي مكن من تجريد الانسان ، غير المواطن في المدينة – الدولة من مسائل ملموسة مختلفة . المسيحية تطرح طبيعة الانسان بمعنيين ، الجسد والروح . تعتبر البدن اصل الخطايا والآثام ، وتركز على العالم الداخلي للانسان ، العالم الذي يكفل له الخلاص عبر الكثير من الفضائل وعلى راسها الصبر والإيمان . فلسفات عصر النهضة التي أعقبت الرينيسانس أكدت على استقلالية الانسان، ولا محدودية قدراته الابداعية . اي صار العقل هو المقياس.. اذن تعالوا نلخص ان الانسان هو العقل ، الا اذا شعر أحدكم ان هذا التلخيص يحرمه من صفات غير عقلانية ، ليرفع أصبعه.. مثلا عضلاته هي المعيار لكونه انسانا؟ افلاطون العظيم مثلا ، جرد الانسان في جمهوريته من الكثير من الشمولية في الصفات والأدوار ، وحدد انماطا لكل فئة انسانية في جمهوريته ، نمط الحكام ، نمط الفلاسفة ، نمط الحراس للحفاظ على عدم تجاوز الانسان من نمطه المقرر الى نمط آخر .. أي انسان أفلاطون ليس وحدة متشابهة. ولا حظوا ان التقسيم هنا يتعلق بالحالة المادية والفكرية والمكانة الاجتماعية ، الغني لن يكون عاملا . ربما يشتري الحكمة بأمواله ، ويشتري السلطة بأمواله ، او يشتري قيادة حراس النظام بأمواله ، ويحصل على مكانته في نظام افلاطون بقوة قبيلته .. لذا ليس بالصدفة ان جمهورية افلاطون العادلة لم تكن الا نظاما قمعيا يحافظ على الانقسام المجتمعي ويقيد الشخص بخانة معينة لا يمكن ان يغيرها. أي ببساطة ما يعرف اليوم بالنظام القمعي الديكتاتوري .

اذن ما هو الانسان ، او ما هو المميز الأهم للإنسان ؟ انه العقل . الفلسفة تطرح العقلانية بصفتها اسلوبا في التفكير يقوم على الإحتكام على القدرات العقلية. حتي الذين لا يستعملون عقولهم لا يعرفون انهم لا يستعملون عقولهم ، وسيوافقونني على كل كلمة أطرحها حول العقل ، لأنها لا تعني لهم الا مواعظ وارشادات. آمل انكم مختلفون وتجاوزتم تلك المرحلة..
طبعا قدراتنا العقلية مختلفة .ولكني أدعي اننا جميعا قادرون على تدريب العقل على التفكير المجرد من التأثيرات الغير عقلانية. مثلا لو ظن أحدكم انه الأسكندر المقدوني ؟ من سيصدقه ؟ هذا الظن سيظل معزولا ولا يجد من يدعمه ، سيظل صاحبه وحيدا في ظنه ، وقد يرى به الناس فاقدا لعقله. او لنفترض ان أحدكم ظن انه تجاوز محمود درويش شعريا ، لأنه نشر قصيدة او أكثر .. ويشعر انه متمكن من اللغة ومن الأوزان الشعرية ، والكل يشهد له ، من أمه حتى خالاته وصولا الى جداته اللواتي نسين القراءة والكتابة لطول المدة التي لم يقرأن حرف بها... ومن أخيه الطفل ابن السادسة حتى جده شبه الخرف في ملجأ العجزة.. ومن صديقته التي يتبادل واياها الاشارات عبر النوافذ ، حتى الناقد الذي يتصيد المغرورين ، ويكتب نقدا مقابل أجرة ، زد له الأجرة تحصل على مرتبة أكبر ، ضاعفها تصبح طليعة الشعر ، ضاعفها مرة أخرى يصبح محمود درويش متأثرا بشعرك قبل ولادتك وقبل ان تمسك القلم... مثل هذه القناعات يسهل اسقاطها رغم شهادة الناقد المدفوعة الثمن . ولكن تخيلوا خرافة تسيطر على ملايين الناس ، مثل حكاية ظهور العذراء في مصر ثم في لبنان ومرة في الناصرة وأخرى في الرامة..واحدة تدمع دما وأخرى زيتا من زيت الرامة الممتاز .. واخرى تظهر مضيئة .. هل يمكن بالعقل وضع حد لهذه التخيلات ؟

هذا وهم لا علاقة له بالايمان ولا بنص الدين ،ومع ذلك يشد الملايين ،وتقوم مؤسسات لترعاه وتروجه ، وخلال زمن طويل ، يصبح بحد ذاته قوة مادية ، تؤثر على ملايين الناس . ويبنون حولها قصصا حول حدوث عجائب .. بالأساس شفاء من الأمراض ، ولو حسبنا ان 20 مليون انسان سحرتهم قصص ظهور العذراء في مختلف انحاء الأرض ، وشفي من مليون مريض جاؤوا خصيصا بطلب الشفاء 50 شخصا..ما هو المؤكد ان الشفاء كان بسبب ظهور العذراء ؟ لماذ لا ننسب الشفاء الى الأدوية التي كانوا يبلعونها أيضا اثناء تعرضهم للعجيبة؟ لأنه من الناحية الاحصائية ، العجيبة لم تشفي الا عددا ضئيلا جدا من الناس ، والطب قادر على اشفاء نسبة كبيرة جدا تزيد بمئات النسب ،قد تصل الى 85% حتى من الأمراض المستعصية والقاتلة. أي من مليون شفت العجيبة 50 ، ولكنهم 50 ضمن العلاج الطبي ، ولكن الطب يشفي 800 الف حالة . اذن من نصدق ؟ الطب ، العلم ، العقل.. أم الوهم والتخيل والخرافة؟
بالطبع هذه حالة قائمة في مختلف العقائد ... ولا فرق بين مجتمع متقدم ومجتمع متخلف . بين انسان متعلم او انسان غير متعلم. للخرافة مؤسسات عظيمة القوة والتأثير تروجها وتنظم لها الطقوس ، وتعطيها مصداقية . والزمن يجعلها أكثر ثباتا وقوة ، لدرجة ان محاولة نفيها من شخص ، ينظر اليه بأنه غريب الأطوار وغير متزن.
والآن تعالوا نفحص قصة أخرى ...

وصلتني رسالة قبل اسبوع ، من دكتور في علوم التربية.. يقول فيها ان الرسام الذي رسم صورة النبي محمد ، احترق ودفن سرا ، وان الحكومة الدانماركية تخفي هذه المعلومة ، وان مسلمان يعيشان في الدانمارك اكتشفا الأمر بالصدفة ، اثناء مرورهما بجانب المقبرة التي دفن فيها الرسام .اذ سمعا صراخه وعذابه من داخل القبر . ودعاني الدكتور المحترم لتوزيع هذا الخبر ، لان توزيعه ، كما يعتقد المحترم ، يكسب موزعه أجرا كبيرا عند الله .. الى آخر هذه الكلمات التي يعرفها كل الناس غيبا..

هل عقلكم يشتري هذه الحكاية ؟

انتبهوا : المرسل ليس شخصا عاديا ، دكتور في التربية... لا أعرف ماذا يربي .. لا تضحكوا.. في مسيرتكم التعليمية حشوا رؤوسكم بأوهام وخرافات لا تقل جنونا عن رسالة دكتور التربية ... حالته لست نادرة للأسف ، بل هي السائدة .انتم اخترتم موضوعا لا يقبل أحكاما تخيلية . تعالوا نفكر بعقلانية ..

اسئلة كثيرة يطرحها هذا الخبر .. ساساعدكم على طرح بعضها .

لماذا مسلمان فقط اكتشفا ذلك ، وفي دولة نسبة المسلمين فيها قليلة جدا ؟

الم يسمع عابرون آخرون ، من الدانماركيين الذين يشكلون الأكثرية المطلقة من السكان ، صراخ المسكين من القبر ؟ ام خلا الشارع الا من الشخصان اياهما ؟

ما الذي يؤكد ان الصراخ من القبر ،اذا صح .. هو صراخ الرسام وليس صراخ كافر آخر ؟

هل قال في صراخه انه فلان ابن فلان وانه يعاقب بسبب الرسم اياه ؟

دفن سرا ، كما تقول الرسالة ... يعني لا توضع اي اشارة تشير الى قبره. او الى المقبرة التي دفن فيها. هل فحص الشخصان اللذان سمعا صراخه ، حقيقة الصارخ ، وكيف تأكدوا من شخصيته ، ومن قبره ومن مقبرته ؟
هل يحدث حقا في العالم الذي نحياه ، ان يصرخ الميت صراخا مؤلما يصعد من القبر ليسمعه الناس؟
بالطبع لا أطرح موقفي من الرسام وما قام به .. ليس هذا موضوعي ولا موضوعكم . موضوعنا ان نصل الى موقف من المعلومة التي يوزعها دكتور التربية.. وهو بالطبع يعترف انه تلقاها من آخرين ، أي انه اشترى الحكاية وتحمس لها ، لأنها وقعت في نفسه موقعا حماسيا وقبلها عقله بدون فحص ، وبدون تفكير وبدون منطق بسيط ، كما تعود وهو طفل ولم يتغير رغم الدرجة العلمية في التربية . ويوزعها ليسكب أجرا عظيما . هل هذا تصرف عقلاني ؟
نحن هنا نواجه صراعا بين العقل وبين الخرافة .. بين الحقيقة وبين الوهم .. اليس معانقة الحقيقة خير من حكاية زائفة ، من وهم روجه مختلان ،او ربما شخص لا علاقة له بالدانمارك ولا يعرف اذا كانت الدانمارك في اوروبا او شمال أمريكا ؟ او شخص اراد انجاز فكرة ما خدمة لما يظن وجوب حدوثه ؟ .. فاشترى الحكاية كل من اعتاد عقله على الآمال الزائفة وعلى الحقائق غير المثبتة ، حتى لو كان دكتورا في التربية او الاقتصاد او الفلسفة ؟

الفلسفة أيضا لا تخلوا من مروجي مواضيع لا منطق فيها ومنهم ذوي اسماء معروفة .. ولكن الفرق ان الفلاسفة يفسرون ويحاولون طرح منطق لقناعاتهم ، نقدها قد يكون سهلا على المختصين ، وسهلا على كل انسان طور قدرات عقلية مستقلة ، لا تضلله الخرافات والقصص غير العقلانية .

لو قلت لكم اني اكتشفت دواء فعالا يقضي على السرطان ؟ وانا لا افهم بالطب أكثر من استعمال الأسبرين لوجع الرأس. ماذا ستقولون عني؟

- سنقول الاستاذ فقد عقله .. انطلق صوت فؤاد . ابتسم المحاضر :

- لن ألبي لك هذه الأمنية يا فؤاد . نعود لموضوعنا ،طرحت أسئلة ، الجواب عليها يساعد على استخلاص موقف.. لكم حرية التفكير ، لا الزمكم بموقف ، الزمكم فقط بتقديم المبررات لمواقفكم ..

- المنطق يقول ان المعلومة لا عقلانية.

ارتفع صوت من مقعد في وسط القاعة. بعد تردد وابتسامه خفيفة قال المحاضر :

- هذا استنتاج مبني على الإحساس .. اريدكم ان تبرروا بالتفصيل لماذا هو غير عقلاني.. لا أريد جوابكم اليوم .. اريد تبريراتكم .. ان تظهروا قدرات عقلكم على التحليل وطرح أسئلة الشك او مبررات صحة الحدث ، والوصول الى جواب مبرر بمنطقكم ، اتركوا ما أقوله لكم ولا تتأثروا بموقفي لارضائي . ما يهمني. كيف تستعملون دماغكم . كيف تبنون حججكم . كيف نقرر ما هو عقلاني وما هو غير عقلاني بالاعتماد على التفكير المجرد . هذه هي قوة الفلسفة. وهذا هو أكبر تجلي لمفهوم ان تكون انسانا بالمضمون والعقل ، وليس بالشكل فقط ، مع أهمية الشكل وعلاقته بالمضمون ، وهو موضوع آخر لن نخوض فيه اليوم .

أجال نظره في الطلاب ، وقال:

- ستجدون ان عدد الذين يصدقون دكتور التربية ، أكثر بمليون مرة من الذين يرفضونها ويقولون انها غير عقلانية. لكن هذا المقياس لا يخصنا. لأنه يرتبط بسيطرة الخرافة على العقل بنسبة أكبر من سيادة العقل في جميع المجتمعات البشرية ، وفي جميع العقائد التي ظهرت في التاريخ البشري ، منذ بدأ الانسان مسيرته مستقلا عن سائر المخلوقات في الطبيعة.
طلابي الأعزاء ، لا توجد ادوات لفحص العقلانية او اللاعقلانية مثل سماعة القلب مثلا.. او تصوير بالأشعة..او فحص في مختبر الدم .. لنعرف مستوى الدهنيات والسكر وبالتالي هل يوجد عقل ام مجرد مادة خام غير مستعملة؟

هنا تحتاجون الى تجرد كامل من التأثيرات الشعبية ، او ما يسود الفكر الدارج في الشارع . التزموا بعقلكم الذي ينموا اليوم جديدا نقيا منفتحا متحفزا للنشاط... لا تخذلوا عقولكم . انتم امام تحد .. اما ان تجتازوه ، او تعلنوا استسلامكم وعودتكم الى الحظيرة الطافحة بالعقول الخاملة .

انظروا الى طاولتي.. ماذا ترون ؟ حقيبة جلد سوداء ؟ لا شيء آخر على الطاولة ..لو قلت انها ليست حقيبة بل لوحة شطرنج ، لسخرتم مني حتى بدون تفكير .. ولو قلت لكم انها كتلة ذهب ربما تتهموني تلقائيا بفقدان العقل.
انفجر الطلاب بالضحك .. وضحك المحاضر. وانطلق صوت طالبة من المقاعد الأمامية .

- ما هي ادواتنا الأخرى عدا العقل لنثبت صحة او عدم صحة هذا الإدعاء؟

- هناك حالات فحصها متيسر .. مثلا ، عبر المناهج العلمية ، التي تقوم على مبدأ الشك البناء ، واستنتاجات العلوم هي وليدة العقل والمعرفة والمنطق . بينما حكاية الصارخ من القبر ، قائمة على اسقاط القدرات النقدية والشك . ، وتحويل حكايات غير مثبتة الى حقائق لا يجوز التشكيك فيها . فحص حقيقة حقيبتي هي من الحالات البسيطة ، من الصعب ان نفحص مسائل ذهنية تتحدث عن الخوارق ، هذه لا يتيسر لنا فحصها باللمس والرؤية والفحص المخبري والشم والذوق والتحليل الكيماوي والمقارنة.. فقط بالبراهين العقلية والعلمية .

سألت الطالبة:

- كثرة المصدقين لحكاية الصارخ من القبر ، ألا تشير الى امكانية صحتها؟

- هذا جواب غير مبرر ، ويعتمد على عقلك التاريخي المتواصل في سيطرته على ذهنك ومشاعرك .. دربي عقلك على التفكير ، حتى بصراعك مع ذاتك ، ومع ما تعتبريه حقائق لا يجوز التشكيك فيها. التفكير العقلي له اتجاه يقول ان الانسان عبر المحاكمة الواعية ، بعيدا تماما عن سيطرة موروثاته العقلية ، التي شكلت وعيه ، وبعيدا عن العواطف التي قد تجر العقل الى الشلل والى موقف عاطفي غير مبرر ،حتى لو كان بالصدفة صحيحا،يجب ان يسعى الى تفسير الحدث واقرار مدى عقلانيته ، او مدى لا عقلانيته ، بدون اعتبار لرأي الأكثرية السائد . الفلسفة هي نقيض الأفكار الفطرية الموجودة في اذهانكم حتى هذه اللحظة. ليس من السهل التخلص من الأفكار التي نشأنا عليها . وليس من السهل ان نستوعب الواقع الموضوعي الذي يتشكل خارج وعينا وخارج ارادتنا . يجب القطع بين العقل وبين النفسية الوضعية التي نشأنا عليها كلنا.

- من أين اذن هذه القوة الهائلة لما تسميها الأفكار غير المثبتة ؟

- سؤال ممتاز .. قوة الأفكار ، أي أفكار كانت ، او التخيلات الوهمية ، تحصل على قوة هائلة من المؤسسات القوية التي ترعاها وتروجها عبر ملايين الدعاة ، وبتوظيف أموال هائل ، وعبر صمودها التاريخي الممتد الاف السنين الذي يعطيها مصداقية وقوة ليس من السهل مواجهتها ، وامامكم خيار ، اما ان تنطلقوا نحو المستقبل بوضع العقل كبوصلة للحياة ، او تحصلوا على شهادة عليا بامتيار ، وتظلوا بعقل يقبل حكايات خرافية مثل حكاية الصارخ من القبر. او الوهم الشخصي بأني أهم شاعر وأهم قائد عسكري وأهم عاشق ..ولكنه وهم لن تجدوا من يدعمه الا بعض المنتفعين ، وسيسقط سريعا وقد يسقطكم معه .

العقلانية هي انتصار لانسانيتكم وتعزيزها ،ويجب اثرائها بالعلم .. بالرياضيات بالفيزياء وبسائر العلوم .. والأهم بالبراهين الصحيحة والمثبتة ، ويجب تنمية التجربة الحياتية ، وتحويل العقل الى الأداة الوحيدة في المعرفة. وهذا لعلمكم ينفي المبدأ الذي يدعي ان الأحاسيس او التجارب الحسية ، هي الطريق الأساسي للمعرفة.
ربما اثقلت عليكم في هذا الدرس .. اسمحوا لي باضافة صغيرة قبل الخروج للإستراحة ، علميا تبث ان الأحاسيس ، المشاعر الحسية .. غير موثوقة، وان المعلومة المبنية على المشاعر الحسية ، غير مؤكدة ، ولا أقول خاطئة ، تحتاج الى اثبات عقلاني.

ساروي لكم حكاية رمزية حول المنطق العقلاني او الغير عقلاني، لعلها تساعدكم في التفكير ، او تساعدكم في التخلص من الضغط العقلي الذي أدخلتكم به :

جاء لاعب كرة قدم مشهور الى فتاحة بخت ليعرف ما ينتظره في الموسم الجديد من مكاسب مالية ومجد والعاب وتسجيل أهداف.. دفع الرسوم الكبيرة لمساعدة الفتاحة،ودخل . كانت عجوزا شمطاء تضع نظارات سميكة تثير الشك بقدرتها على الرؤية الكاملة. جلس امامها ، نفخت بموقد فحم صغير بجانبها ، فارتفع دخان أخضر.. قامت بحركات بلا معنى فوق الموقد ، وطلبت منه ان يفتح كفيه امامها . مسحت بيديها على كفية مرات عدة .. نفخت ، وطأطأت رأسها تقرأ كفيه وتهز رأسها شمالا ويمينا وتهمهم ، ثم تمتمت بكلمات غير مفهومة .. وصرخت : " أجل .. أجل " وقالت للمسكين الجالس أمامها :" هم .. هم .. هم .. ارى أخبارا جيدة بكفة يدك الشمال.. لك مستقبل باهر في السماء، حيث اعد لك الملائكة ملعبا رائع الجمال ،

لا مثيل له في الأرض ، وستكون ملك اللعب فوق، اما في كفة يدك اليمين فأرى خبرا صعبا .. اعذرني على صراحتي : ارى ان عزرائيل قد حجز لك دورا للعب غدا في الساعة الرابعة بعد الظهر."

وقطع ضحك الطلاب صوت فتاة تجلس في المقدمة:

- استاذي اسمح لي أن أرد على قصتك بقصة أخرى تخرجنا أيضا من اللخبطة العقلية التي أدخلتنا بها ... كان لنا معلم رياضيات عبقري ، مات والد أحد الطلاب ، ولم ينفك الطالب يبكي والده يوميا . في درس الرياضيات لسبب لا نعلمه انفجر بالبكاء المر. بعد ان تمالك نفسه ، قال انه تذكر والده فبكى . قال له الاستاذ :" هل تعلم يا صديقي انه يوجد في الحياة ما هو أسوأ من الموت ؟" فسال الطالب : " ما هو يا أستاذ ؟ " فرد المعلم : " مثلا ان تقضي ليلة كاملة مع فيتاغوروس !!"

وانطلقت ضحكات المحاضر أعلى من ضحك طلاب الفلسفة...

---------------

*نبيل عودة – كاتب وناقد واعلامي فلسطيني – الناصرة - nabiloudeh@gmail.com

 

 

 

2/3/2010